
( صورة شبيه لمكاتبنا .. لكنها بالتأكيد ليست هي )
أحب أن تكون البداية تعريفية
أصحبكم إلى ميدان ( احتراقي )
أعمل في مكتب مفتوح .. شيء أقرب لنظام البنوك .. نظام أمريكي اخترعوه لتقليل النفقات وتقليص الأماكن .. عبره يستطيعون حشد جيش عاملين في مكان مغلق ..
في الصالة التي أعمل فيها ( بالمناسبة أسميها : مركاض الخيول!! ) هناك ما يقارب المئة شخص أيضا ,. ربما كانوا أقل بعشرة أو أكثر بعشرة .. فأنا لم أجر لهم إحصاءا بعد
نحن في هذه الصالة عدة أقسام لا يفصلنا عند بعضنا سوى الهواء ! .. أي أن قسمي الذي أعمل فيه ( لنسميه قسم DU) يجاور قسم A ,B , C وغيرها من الأقسام .. كل قسم يحتل عدة طاولات .. لكننها في النهاية نعيش في نفس الصالة ..
مدراء الأقسام يتمتعون بغرف صغيرة طرزت على جانبي الصالة .. لها اطلالات زجاجية وابواب مفتوحة أيضا .. في هذه الصالة يمكنك أن تشمت أي عاطس .. وأن تسمع كل المكالمات حتى ” الحميمة ” منها ، بل وتستطيع أن تعرف من “كح” ومن ” شَرَق” !
في هذه الصالة أعيش ثمان ساعات يوميا .. في آخر ثلاث سنوات .. قبلها بأربع سنوات .. كنت أعيش في صالة شبيه لكنها أصغر .. كانت مغلقة على قسمي فقط .. وكانت الأقسام الأخرى تجاورنا يقسم بيننا وبينهم حواجز خشبية ..
نصف من في الصالة أعرفهم منذ سبع سنوات .. ربعهم عرفته في الثلاث سنوات الأخيرة .. الربع الأخير هم وجوه مألوفة لا أعرف أسماءها ..
في عملي هناك وتيرة تشتد وتقل حسب تدفق الأخبار فأنا أعمل في صحيفة .. لا أريد أن أذكر اسمها .. فأنا هنا أتحدث عن نفسي لا عن الصحافة ..
طليت الصالة باللون الرمادي الشاحب .. لا أعرف من اختاره لكن بالتأكيد لم يكن يعلم شيئا عن الذوق ولا عن علم الألوان .. وفي منتصف أرضيتها اللامعة يمر ممر أسود .. أسميه ( النهر) .. على ضفته اليسرى ترى قسم TH وقسمي DU بعدنا قسم T وقسمR ..
في الضفة المقابلة
.. أي الجهة اليمنى من الممر ” النهر” .. هناك قسم M و E وW ..
اخترت هذه التسميات كي أستطيع الحديث بطلاقة عن ما يدور هنا ..
الوجود النسائي بارز في الصالة .. وجوه عديدة من دول عربية مختلفة .. ملابسهن مختلفة ومتباينة .. هناك المحجبات اللواتي يرتدين الشيلة والعباءة .. وهناك من ترتدي الملابس الفضفاضة والحجاب .. هناك من لا تعرف من الحجاب سوى أنه تغطية للشعر فترى ملابسها ملونة وملتصقة بالجسد وتغطي رأسها بايشارب.. وأخيرا هناك من لا تعترف بوجود الحجاب ..
في المقابل الشباب .. قلة منهم اماراتيين مثلي .. تزينهم كناديرهم المحلية ، الباقون من دول عربية مختلفة .. كبارهم يرتدون البدل الرسمية ( بدون كرافتة) وبعضهم يرتدون كاجوال .. أخيرا الذين قضوا فترة طويلة جدا في الامارات يرتدون أحيانا ملابس اماراتية أيضا ..
في وسط النهر ( الممر ) هناك طاولة دائرية متوسطة تستعمل للاجتماعات .. ولصدفة لا أعملها تقع هذه الطاولة قريبا جدا من مكتبي المختبيئ خلف عمود .. والذي حرصت أن اسد الممر الموصل إليه بطاولة كي لا يمر أحد من خلفي ..
في منطقة مكتبي تتسيد النساء الموقف .. بل في قسمي D تغلب النساء على من فيه .. كلنا في ” البلوك” الذي يقع فيه مكتبي نساء .. ما عدى رجل واحد .. الأمر الذي جعلني أسمي المكان ” زنقة الستات” .. فوجود 9 نساء متجاورات ومتقابلات في مكان لا يتعدى الأربعة أمتار عرضا والمترين طولا ( حجم البلوك ) .. أمر يحول المكان فعلا إلى ” زنقة الستات” ..
ومن هذه الزنقة تحديدا .. تنبع الحكايات .. حكايات معمودية النار ..